جيوكندا999
22-05-2008, 10:41 AM
إن المنظر لا ينقصه البهاء ولا الفخامة الباذخة، بهاء التاريخ الوطني الذي يجلل تلك الدار العتيقة التي رصعها تعاقب السنين بأحجار الوقار عوضاً عن أحجار الرخام والسيراميك وكان "الحضور الحكومي" بكل عنفوان السلطة وبهرج الحراسة الرسمية قد اضطر لأن يخفف من جموحه للتساوق مع كرم الضيافة المعهود في "دار الإمامط" إمام الأنصار منذ عبد الرحمن والصديق وانتهاء بالصادق ذلك الكرم المنحوت في شعار "السودان للسودانيين" فتلك الدار تفرض على زائرها بتلقائية لافتة أن يستعيد "سودانيته" بكل اعتزازها وأريحيتها وأريجها النفاذ.
في مثل هذا الجو الاستثنائي جرى ليلة أمس الأول الاحتفال بتوقيع الاتفاق بين حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر الوطني الحاكم.. اتفاق يأتي بعد نحو عقدين من الزمان من حكم الثاني على أنقاض حكم الأول.. ليؤكد من جديد أنه في "عالم السياسة" ليس من عداوات وخصومات ثابتة وليس من صداقات أو تحالفات دائمة، وهذا ما ركزت عليه الدكتورة مريم الصادق وهي تتلو القرآن في افتتاح حفل التوقيع (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم* وما يُلقاها إلا الذين صبروا وما يُلقاها إلا ذو حظ عظيم) نعم لقد صبر الإمام الصادق وصبر حزبه بل صبر الشعب السوداني كله إلى أن جاءت هذه اللحظة التي تم فيها التوقيع على "التراضي الوطني" ضمن مسلسل الاتفاقات التي عقدتها الإنقاذ مع معارضيها بدءاً من اتفاق "البرنامج الوطني" مع الحزب الاتحادي الديمقراطي جناح الراحل الشريف زين العابدين ومروراً باتفاق جيبوتي مع حزب الأمة القومي نفسه واتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية في نيفاشا واتفاقية أبوجا مع حركة تحرير السودان جناح مناوي واتفاق أسمرا مع جبهة الشرق واتفاقية القاهرة مع التجمع الوطني الديمقراطي، منها ما أخذ طريقه للتنفيذ برغم العثرات ومنها ما تقطعت به السبل كاتفاق جيبوتي واتفاقية القاهرة.
إن أهم ما في اتفاق "التراضي الوطني" استناداً إلى نصوصه هو أنه يأتي بمثابة محاولة جديدة من موقعيه للعبور بالوطن من حالة الاستقطاب التي باتت تهدد كيانه، والتي لا سبيل لتجاوزها وفق المفاهيم التي قام عليها الاتفاق مستهلاً بها ديباجته إلا بالاستجابة "لتطلعات الشعب السوداني في التحول الديمقراطي والسلام العادل الشامل" ما يجعل المحاولة موجهة لجميع القوى السياسية وليس "شأنا ثنائياً" بين الحزبين الموقعين.
نقول إنها "محاولة جديدة" لأن كل المحاولات السابقة التي تضمنتها الاتفاقات الموقعة بين الحزب الحاكم وكل القوى المعارضة تقريباً قد نادت بضرورة التحول الديمقراطي وشمولية الحل وعدالته ودعوة الجميع الى كلمة سواء يحتكم فيها الناس إلى حكم الشعب وخياراته وتحويل البلاد إلى "دولة الوطن وليس دولة الحزب" كما عبر عن ذلك اتفاق جيبوتي مع حزب الأمة القومي نفسه عندما غادر التجمع وعاد من المنافي إلى البلاد.
المبادئ الستة التي قام عليها اتفاق التراضي الوطني، بدءاً من الثوابت الوطنية وتهيئة المناخ وأزمة دارفور وكيفية مواجهتها والانتخابات والإجراءات القانونية والتنفيذية التي تضمن حريتها ونزاهتها والسلام القائم على ما تحقق حتى الآن من اتفاقات بشأنه واعتماد "مبدأ الحلول الوسطى" والتنازل المتبادل والتخلي عن الإملاء والمواقف الإقصائية وانتهاء بتحقيق "الحريات" وفقاً لمبادئ الدستور الانتقالي مع الالتزام بالمواثيق والعهود الدولية التي وقع عليها السودان بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإلغاء القوانين الخاصة والاستثنائية المقيدة للحريات. كل تلك المبادئ لا خلاف عليها ولا أحد ينتقص من ضرورة التمسك بها والطرق عليها في كل مناسبة ومع كل "محاولة جديدة".
لكن.. لكن تبقى العبرة في التنفيذ والتنفيذ لا يتم إلا عبر إجماع وطني حقيقي، والإجماع الوطني – وبكل صراحة – لن يتحقق إلا بتوفر الإرادة السياسية لدى من بيدهم "الحل والعقد" في شؤون السودان فمن المعلوم أن كل القوى الوطنية غير الحاكمة يعتريها شوق ورغبة جامحة في رؤية التحول الديمقراطي والإجماع الوطني عليه يتحقق اليوم قبل غد، إلا أن ذلك لن يحدث ولن يجد طريقه إلى التنفيذ إلا بإلغاء أو تعديل القوانين المقيدة للحريات أو المتعارضة مع روح ونصوص الدستور الانتقالي وذلك لن يتم إلا بإرادة الحاكمين الذين يملكون أغلبية غالبة في الأجهزة التنفيذية والتشريعية.
نعم لقد أوفى اتفاق التراضي الوطني وكفى وسد الثغرات والخروق التي بانت في ثياب بعض الاتفاقات الأخرى ولكن كما قلنا فإن العبرة بالتنفيذ وليس أمامنا إلا أن ننتظر لنرى.
بقلم : طه النعمان
في مثل هذا الجو الاستثنائي جرى ليلة أمس الأول الاحتفال بتوقيع الاتفاق بين حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر الوطني الحاكم.. اتفاق يأتي بعد نحو عقدين من الزمان من حكم الثاني على أنقاض حكم الأول.. ليؤكد من جديد أنه في "عالم السياسة" ليس من عداوات وخصومات ثابتة وليس من صداقات أو تحالفات دائمة، وهذا ما ركزت عليه الدكتورة مريم الصادق وهي تتلو القرآن في افتتاح حفل التوقيع (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم* وما يُلقاها إلا الذين صبروا وما يُلقاها إلا ذو حظ عظيم) نعم لقد صبر الإمام الصادق وصبر حزبه بل صبر الشعب السوداني كله إلى أن جاءت هذه اللحظة التي تم فيها التوقيع على "التراضي الوطني" ضمن مسلسل الاتفاقات التي عقدتها الإنقاذ مع معارضيها بدءاً من اتفاق "البرنامج الوطني" مع الحزب الاتحادي الديمقراطي جناح الراحل الشريف زين العابدين ومروراً باتفاق جيبوتي مع حزب الأمة القومي نفسه واتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية في نيفاشا واتفاقية أبوجا مع حركة تحرير السودان جناح مناوي واتفاق أسمرا مع جبهة الشرق واتفاقية القاهرة مع التجمع الوطني الديمقراطي، منها ما أخذ طريقه للتنفيذ برغم العثرات ومنها ما تقطعت به السبل كاتفاق جيبوتي واتفاقية القاهرة.
إن أهم ما في اتفاق "التراضي الوطني" استناداً إلى نصوصه هو أنه يأتي بمثابة محاولة جديدة من موقعيه للعبور بالوطن من حالة الاستقطاب التي باتت تهدد كيانه، والتي لا سبيل لتجاوزها وفق المفاهيم التي قام عليها الاتفاق مستهلاً بها ديباجته إلا بالاستجابة "لتطلعات الشعب السوداني في التحول الديمقراطي والسلام العادل الشامل" ما يجعل المحاولة موجهة لجميع القوى السياسية وليس "شأنا ثنائياً" بين الحزبين الموقعين.
نقول إنها "محاولة جديدة" لأن كل المحاولات السابقة التي تضمنتها الاتفاقات الموقعة بين الحزب الحاكم وكل القوى المعارضة تقريباً قد نادت بضرورة التحول الديمقراطي وشمولية الحل وعدالته ودعوة الجميع الى كلمة سواء يحتكم فيها الناس إلى حكم الشعب وخياراته وتحويل البلاد إلى "دولة الوطن وليس دولة الحزب" كما عبر عن ذلك اتفاق جيبوتي مع حزب الأمة القومي نفسه عندما غادر التجمع وعاد من المنافي إلى البلاد.
المبادئ الستة التي قام عليها اتفاق التراضي الوطني، بدءاً من الثوابت الوطنية وتهيئة المناخ وأزمة دارفور وكيفية مواجهتها والانتخابات والإجراءات القانونية والتنفيذية التي تضمن حريتها ونزاهتها والسلام القائم على ما تحقق حتى الآن من اتفاقات بشأنه واعتماد "مبدأ الحلول الوسطى" والتنازل المتبادل والتخلي عن الإملاء والمواقف الإقصائية وانتهاء بتحقيق "الحريات" وفقاً لمبادئ الدستور الانتقالي مع الالتزام بالمواثيق والعهود الدولية التي وقع عليها السودان بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإلغاء القوانين الخاصة والاستثنائية المقيدة للحريات. كل تلك المبادئ لا خلاف عليها ولا أحد ينتقص من ضرورة التمسك بها والطرق عليها في كل مناسبة ومع كل "محاولة جديدة".
لكن.. لكن تبقى العبرة في التنفيذ والتنفيذ لا يتم إلا عبر إجماع وطني حقيقي، والإجماع الوطني – وبكل صراحة – لن يتحقق إلا بتوفر الإرادة السياسية لدى من بيدهم "الحل والعقد" في شؤون السودان فمن المعلوم أن كل القوى الوطنية غير الحاكمة يعتريها شوق ورغبة جامحة في رؤية التحول الديمقراطي والإجماع الوطني عليه يتحقق اليوم قبل غد، إلا أن ذلك لن يحدث ولن يجد طريقه إلى التنفيذ إلا بإلغاء أو تعديل القوانين المقيدة للحريات أو المتعارضة مع روح ونصوص الدستور الانتقالي وذلك لن يتم إلا بإرادة الحاكمين الذين يملكون أغلبية غالبة في الأجهزة التنفيذية والتشريعية.
نعم لقد أوفى اتفاق التراضي الوطني وكفى وسد الثغرات والخروق التي بانت في ثياب بعض الاتفاقات الأخرى ولكن كما قلنا فإن العبرة بالتنفيذ وليس أمامنا إلا أن ننتظر لنرى.
بقلم : طه النعمان