المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البلاغة والايجاز في لغة العرب


سـت الكــل
26-09-2007, 01:07 PM
ينقلون عن معاوية ابن ابي سفيان انه قال
لصحار بن عباس العبدي : ماهذه البلاغة فيكم؟

قال : شئ تجيش به صدورنا فنقذفه على ألسنتنا.

وسأله معاوية : وما تعدون البلاغة فيكم؟

قال : الايجاز. قال وما يعني ذلك؟ قال : لمحة دالة.

وفي هذا السياق يحكون ان ربيعة الرأي تكلم فأكثر،
وأعجبه اكثاره فالتفت إلى اعرابي بجانبه وقال له
معتزاً بنفسه : ما تعدون البلاغة عندكم يا أعرابي ؟

قال : حذف الكلام، وانجاز الصواب.
قال : فما تعدون العيّ؟
قال : ما كنت فيه منذ اليوم.

ومثل ذلك قالت جارية لابن سماك. سألها : كيف سمعت كلامي؟
قالت : ما أحسنه لولا انك تكثر ترداده.
قال : اردده حتى يفهمه من لم يفهمه.
قالت : الى ان يفهمه من لم يفهمه يكون قد مله من فهمه.


وقال خالد بن صفوان عندما رأى رجلاً يتكلم ويكثر:
اعلم رحمك الله ان البلاغة ليست بخفة اللسان، وكثرة
الهذيان. ولكنها باصابة المعنى والقصد الى الحجة.

وقال جعفر بن محمد : سمي البليغ بليغاً لأنه يبلغ حاجته
بأهون سعيه. وفي تعريف للبلاغة يقول العتابي :
كل من بلغك حاجته، وافهمك معناه، بلا إعادة
ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ.

سـت الكــل
26-09-2007, 01:12 PM
ولأن الايجاز سمة لازمة للبلاغة فقد نسبه الرواة
الى قريش كما كانوا ينسبون لها كل فضل.

فتحدثوا عن تفوقها على غيرها من القبائل في ايجاز القول.

يحكى ان عبد ربه قال : سئل ابو سفيان : ما بال العرب تطيل
الكلام وانتم تقصرونه معاشر قريش؟

قال : بالجندل يرمي الجندل. وكلامنا يقل لفظه ويكثر معناه
ويكتفى بأولاه وينتفع بأخراه. يتحدر تحدر الزلال على
كبد الحرى. ولقد نقصوا واطال غيرهم، فما اخلوا.

أمثلة الايجاز :

ويضرب العرب مثلاً على بلاغة الايجاز ما جرى بين شريح
القاضي رجل خاصم امرأته «واعتقد انه مثل، فيه
شئ من التعسف والافتعال».


قال الرجل : السلام عليكم

قال : وعليكم

قال : أنا رجل من أهل الشام

قال : بعيد سحيق

قال : واني قدمت الى بلدكم هذا

قال : خير مقدم

قال : واني تزوجت امرأة

قال : بالرفاء والبنين

قال : وانها ولدت غلاماً

قال : ليهنك الفارس

قال : وقد كنت شرطت عليها صداقها

قال : الشرط أملك

قال : وقد أردت الخروج الى بلدي

قال : الرجل أحق بأهله

قال : فأقض بيننا

قال : قد فعلت

ويضرب العرب المثل على بلاغة الايجاز في الخطابة قول
يزيد بن المقنع حين قامت الخطباء لبيعة يزيد بن معاوية،
فقد اخترط من سيفه شبرا ثم قال : هذا أمير المؤمنين
«وأشار الى معاوية» فإن مات فهذا «واشار بيده الى
يزيد» فمن أبى فهذا «وأشار الى سيفه».

ومن بلاغة الايجاز في الرسائل كتاب إلى الهندام إلى
أهل مرة حين صرفوا الماء عن أهل دمشق! إلى بني
استها اهل مرة ليمسيني الماء أو لتصبحنكم الخيل.

وكتاب يزيد بن الوليد الى مروان بن محمد حين أحس
منه بعض التلكؤ من بيعته: بسم الله الرحمن الرحيم من
عبدالله امير المؤمنين يزيد بن الوليد الى مروان بن حمد:
اما بعد فاني اراك تقدم رجلاً وتؤخر اخرى فاذا اتاك
كتابي هذا فاعتمد على ايهما شئت والسلام.

وكتاب عمرو بن العاص يرد على عمر بن الخطاب
رضى الله عنه: والله لو رأيت خيانتك حلالا ما خنتك
فاقصر ايها الرجل فان لنا احساب هي خير من العمل لك.

وتتمثل بلاغة الايجاز في مواجهة الاعرابي لهشام بن
عبد الملك: اتت علينا ثلاثة اعوام اكلن الشحم واللحم والعظم،

وعندكم اموال: فان كانت لله فارفعوها إلى عباد الله،
وان كانت لعباد الله فارفعوها اليهم وان
كانت لكم فتصدقوا بها عليهم.

سـت الكــل
26-09-2007, 01:17 PM
كما تتجلى هذه البلاغة في عزاء عيسى
بن طلحة لعروة بن الزبير وقد قطعت رجله:

والله ما كنا نعدك للصراع، ولقد ابقى الله لنا اكثرك:
ابقى لنا سمعك وبصرك ولسانك وعقلك ويديك واحدى رجليك.

وتجلت بلاغة الايجار ايضاً في رد الفرزدق على الحسين
علي رضى الله عنه في مسيره الى العراق حين سأله
عن الناس فاجاب الفرزدق: ان القلوب معك والسيوف
عليك والنصر من الله.

وفي تعليق عمرو بن عبيد بمغزاه العميق حين مر بسارق
يقطع فقال: سبحان الله «سارق السريرة يقطع سارق العلانية».

وفي رد عبد الله بن الكواء حين سأله معاوية: اخبرني عن
اهل البصرة قال: يقبلون ويدبرون شتى، قال فاخبرني
عن اهل الكوفة:
قال انظر الناس في صغيرة واوقفهم في كبيرة
قال: فاخبرني عن اهل المدينة
قال: احرص الناس على الفتنة واعجزهم عنها
قال فاخبرني عن اهل الجزيرة
قال كناسة بن حشين قال فاخبرني عن اهل الشام:
قال اطوع خلق الله لمخلوق واعصاهم للخالق.

ü التعريف والوصف

وهذا التفوق الذي عرف به العرب القدماء في فن الايجاز البليغ
هو الذي جعلهم ينبغون في التعريف المحكم الدقيق، وقد تركوا
لنا ذخيرة ثرة من التعريفات التي تحدد تحديداً قاطعاً وواضحاً
مفاهيمهم وافكارهم وفلسفاتهم وقيمهم.

في تعريف العقل قالوا: هو الاصابة بالظنون ومعرفة ما لم يكن بما قد كان.

وقال معاوية لعمر بن العاص: ما بلغ في عقلك؟
قال: ما دخلت في شئ قط الا خرجت منه،
فقال معاوية: لكني ما دخلت في شئ قط واردت الخروج منه.

ويعطينا عمرو بن العاص تعريفا طريفاً للعاقل
يقول: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر،
وانما العاقل الذي يعرف خير الشرين.

وفي تعريف البر قالوا على لسان عيسى بن مريم
عليه السلام: البر ثلاثة المنطق والنظر والصمت، فمن كان
منطقه في غير ذلك فقد لغا ومن كان نظره في غير
اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها.

وفي تعريف الخذلان سئل محمد بن كعب ما علامة الخذلان؟
فأجاب: ان يستقبح المرء ما كان عنده حسنا
ويستحسن ما كان عنده قبيحاً.

وفي تعريف الشعر قال عبد الملك بن مروان لابن مطاع
العنزي اخبرني عن مالك بن مسمع قال: لو غضب مالك
لغضبت معه مائة الف سيف لا يسألونه في اي شئ غضب
قال عبد الملك: هذا والله السؤدد.

وفي حكاية طريفة يوضح الاحنف السمة الرئيسية للشعر
سأله رجل: بم سودك قومك وما انت باشرفهم بيتا
ولا اصبحهم وجهاً ولا احسنهم خلقا؟ قال الاحنف بخلاف
ما فيك يا ابن اخي، سأل الرجل: وماذاك؟
قال: بتركي من امرك ما لا ي يعنيني كما
عناك من امري ما لا يعنيك.

وفي تعريف انواع الرجال قالوا: الرجل ثلاثة رجال
كالغذاء لا يستغني عنه ورجل كالدواء يحتاج إليه
احياناً ورجل كالداء لا يحتاج إليه ابداً. .